أحمد فارس الشدياق
175
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
وقال آخر : قالوا : تحبّ السواد قلت لهم * أحبّه في الشعور والحدق قالوا : وتهوى البياض قلت لهم * في الوجه والمعصمين والعنق ثم لا يخفى أنّه لمّا كانت أسباب الفساد في القرى الصغيرة صغيرة لم تكن النساء هنا مائلات إلى الفواحش والفسق كما هو شأن نساء المدن الحافلة ؛ ولهذا كان عيش المتزوج في بلاد الفلاحين من هذا القبيل أهنا من عيش المتمدّنين . عن نساء الإنكليز ونساء الفرنسيين والذي أتحققه أن عيش المتزوجين من الإنكليز في كلا الموضعين وإن لم يكونوا يحتفون بأزواجهم ، ويكرّمونهن أمام الناس كما تفعل الفرنسيس إلا أنّهم أكثر إحصانا منهم لفروجهن ، وأوفر مودّة ووفاء لهنّ في الحضرة والغيبة ، هذا في حق الأزواج ؛ فأمّا في شأن الرجال والنساء مطلقا فإن رجال الفرنسيس أرفق وأحفى ، فإن أحدهم ليؤثر راحة المرأة أيّا كانت على راحة نفسه . فإذا تبوأ مثلا مقعدا في سفينة أو رتل ، ودخلت امرأة ولم تجد لها محلا فاضطرت إلى القيام قام من موضعه وأجلسها فيه . وكذا لو وقع منها منديل ونحوه بادر حالا إلى مناولتها إياه ، وعندهم كلمة مخصوصة لمثل هذه الأفعال . أمّا الإنكليز فلا يبالون بذلك ، وكنت كثيرا ما أرى رجالا منهم يضغطون النساء والأولاد حتى يسبقوهن إلى موضع يتبوّؤنه ، فإذا دخلت النساء ظللن قائمات وحين يسافرون في الأرتال أو الحوافل يتخيّرون أحسن المقاعد ، وربّما أداروا ظهورهم للنساء غلاظة وسوء أدب . نعم إن نساء الفرنسيس أكثر تأدّبا وكياسة في الظاهر من نساء الإنكليز إلا أن هؤلاء جديرات به من عدّة وجوه ، وفضلا عن ذلك فقد يقال إن زيادة تكيّس أولئك أصلها من زيادة الإكرام لهنّ ، وإنّما هو جفاء غريزي في طبع الرجال حتى إن النساء اعتدن عليه ، ولا يرين فيه نكرا إلا إذا عاشرن الأجانب ، وهذا هو